الشيخ محمد رشيد رضا

442

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الثانية إلى الأولى : قد جعلت الجملتان بمنزلة جملة واحدة وقصد بهما مؤدى واحد ، وهو المعنيّ في قوله ( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) * ولا يستقل بهذا المعنى الا الجملتان جميعا ، كأنه قيل لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه اه اي لا يؤاخذ أحد منكما بحساب الآخر . وقال أبو السعود : وذكر قوله ( وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ ) مع أن الجواب قد تم بما قبله للمبالغة في بيان انتفاء كون حسابهم عليه ( ص ) بنظمه في سلك ما لا شبهة فيه أصلا وهو انتفاء كون حسابه عليه السّلام عليهم على طريق قوله تعالى ( لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) * اه ثم زعم أن ما قاله الزمخشري غير حقيق بجلالة شأن التنزيل . وتبعه الآلوسي كعادته ولم يعز الكلام اليه هنا . ولعل المتأمل يرى ما قلناه هو الحقيق بجلال شأن التنزيل ، لأنه - على كونه هو المتبادر من الكلام - مبني على التأسيس ، واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل قال الآلوسي : وتقديم خطابه ( ص ) في الموضعين قيل للتشريف له عليه أشرف الصلاة وأفضل السّلام والا كان الظاهر : وما عليهم من حسابك من شيء : بتقديم على ومجرورها كما في الأول . وقيل إن تقديم عليك في الجملة الأولى للقصد إلى ايراد النفي على اختصاص حسابهم به ( ص ) إذ هو الداعي إلى تصديه عليه الصلاة والسّلام لحسابهم اه . والصواب ان التقديم في الموضعين جاء على الأصل العام في اللغة وهو تقديم الأهم بحسب سياق الكلام ، والأهم في الأول النفي وفي الثاني المنفي ، أي الأهم في كل موضع ما يتعلق به ( ص ) لأنه تعليل لانتفاء عمل له ( وهو الطرد ) مترتب على ذلك النفي ، ولو كان الثاني تعليلا لعمل لهم لقال : وما عليهم من حسابك من شيء فيطردوك . وما شرحناه في تفسير الجملتين يغني عن التفصيل في بيان هذا المعنى . والآية تدل على نفي الرياسة الدينية المعهودة في الملل الأخرى وهي سيطرة رؤساء الدين على أهل دينهم في عقائدهم وعباداتهم ومحاسبتهم عليها وعقاب من يرون عقابه منهم حتى بالطرد من الدين والحرمان من حقوقه . ويجب في بعض تلك الملل ان يعترف كل مكلف من ذكر وأنثى للرئيس الديني بأعماله النفسية والبدنية وللرئيس ان يغفر له ما يعترف به من المعاصي . ويعتقدون ان مغفرة اللّه تعالى تتبع مغفرته .